ابن تيمية

171

مجموعة الفتاوى

خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فَبَيَّنَ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى هُمَا خَيْرٌ لَهُمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى : { أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } الْآيَةُ وَقَالَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } { وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } فَأَخْبَرَ أَنَّ أَجْرَ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ مِمَّا يُعْطَوْنَ فِي الدُّنْيَا مِن المُلْكِ وَالْمَالِ كَمَا أُعْطِيَ يُوسُفُ . وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِسُوءِ عَاقِبَةِ مَنْ تَرَكَ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى فِي غَيْرِ آيَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } وَالْمُفْلِحُ الَّذِي يَنَالُ الْمَطْلُوبَ وَيَنْجُو مِن المَرْهُوبِ . فَالسَّاحِرُ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " { مَنْ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِن النُّجُومِ فَقَدْ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِن السِّحْرِ } " و " السِّحْرُ " مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ : وَذَلِكَ أَنَّ النُّجُومَ الَّتِي مِن السِّحْرِ نَوْعَانِ " أَحَدُهُمَا " عِلْمِيٌّ وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِحَرَكَاتِ النُّجُومِ عَلَى الْحَوَادِثِ ؛ مِنْ جِنْسِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ . " الثَّانِي " عَمَلِيٌّ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُونَ إنَّهُ الْقُوَى السَّمَاوِيَّةُ بِالْقُوَى الْمُنْفَعِلَةِ الْأَرْضِيَّةِ : كَطَلَاسِمَ وَنَحْوِهَا وَهَذَا مِنْ أَرْفَعِ أَنْوَاعِ السِّحْرِ . وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَضَرَرُهُ أَعْظَمُ مِنْ نَفْعِهِ